السيد نعمة الله الجزائري
78
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
خلقها أجج نارا فكلفها الدخول فدخلها أهل اليمين ، فجعلها عليهم بردا وسلاما ، وأبى أهل الشمال وقالوا لا طاقة لنا بحرّها ، فقال إلى ناري ولا أبالي ، وكذلك خاطبهم تكليفا بقوله ألست بربكم ومحمد نبيكم وعليّ والأئمة الراشدون أئمتكم ، وبعضهم قال بلى عاقدا عليه قلبه ، وأنكره آخرون بقلوبهم ، فكتب اللّه سبحانه شيعة علي بن أبي طالب عليه السّلام في ذلك اليوم وأودعها عندهم ، وهي الآن عند إمام زماننا صاحب الزمان عليه السّلام ، ولذا كان الأئمة عليهم السّلام ينكرون بعض من يدعي التشيع ، ويقولون له إن اسمك ليس مكتوبا في الصحيفة التي فيها أسماء شيعتنا ، فلما وقع ذلك التكليف وامتثله البعض باختيارهم ناسب تلك الأرواح المباركة طينة طيبة تكون مادة لهم ، ولتلك الأرواح العاصية تلك الطينة الخبيثة ، وحينئذ فلا اعتراض للناصبي لأن المادة لا دخل لها في الإيمان والكفر ، وهذا الجواب يستفاد من تعمق الأنظار في الأخبار ، بل رواه أصحابنا رضوان اللّه عليهم صريحا عن الصادق عليه السّلام في تفسير قوله تعالى : وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ، يعني به أنهم لو استقاموا في عالم الأرواح على التصديق بإمامة أمير المؤمنين عليه السّلام لجعلنا ماء طينتهم من العذب الزلال لا من الملح الأجاج ، ولعل في قوله في هذا الحديث ولا ألزم أحدا إلّا عرفته منه قبل أن أخلقه إشارة إليه كما لا يخفى ، واعلم أن هذا الحديث أصل من الأصول يبتنى عليه قواعد كثيرة ، منها ما ورد عنهم عليهم السّلام من أن المؤمن إذا صلى مع المخالفين خرج بحسناتهم وبقي لهم جرائمه وذنوبه ، ولا يحتاج إلى ما أجاب به بعض المحققين من أن المراد به حسناتهم التقديرية ، لاستفاضة الأخبار ببطلان أعمالهم ، وهو كما ترى ، فإن من عمل عملا انتفع به غيره لا ريب في صدق البطلان عليه بالنسبة إلى ذلك العامل ، ولذا روي في تفسير قوله تعالى : يوم يرون أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ ، أن المخالفين يرون حسناتهم في موازين الشيعة فيندمون ، وسنذكر في تفسير قوله تعالى : الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ . عن الصادق عليه السّلام أن اللّه تعالى يورث المؤمنين منازل المخالفين التي أعدت لهم في الجنة ، ويورث المخالفين منازل المؤمنين في النار ، ومنها ما ورد عنهم عليهم السّلام من أن المؤمن لا يصير مخالفا ، وكذا المخالف لا يصير مؤمنا ، وأما المستبصر فقد صده الشيطان عن أصله الأزلي ثم تداركته الألطاف الإلهية فيرجع إلى أصله ، ولنرجع نحن أيضا إلى ما نحن بصدد شرحه فنقول يجوز أن تكون هذه الفقرة الشريفة إشارة منه إلى قوله تعالى :